محمد بن جرير الطبري

279

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فقدم سعيد الكوفة في خلافه عثمان أميرا ، وخرج معه من مكة - أو المدينة - الأشتر وأبو خشه الغفاري وجندب بن عبد الله وأبو مصعب بن جثامه - وكانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه ، فرجعوا مع هذا - فصعد سعيد المنبر ، فحمد الله واثنى عليه ، وقال : والله لقد بعثت إليكم وانى لكاره ، ولكني لم أجد بدا إذ أمرت ان اتمر الا ان الفتنة قد اطلعت خطمها وعينيها ، وو الله لأضربن وجهها حتى اقمعها أو تعييني ، وانى لرائد نفسي اليوم ونزل . وسال عن أهل الكوفة ، فأقيم على حال أهلها . فكتب إلى عثمان بالذي انتهى اليه : ان أهل الكوفة قد اضطرب امرهم ، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمه ، والغالب على تلك البلاد روادف ردفت ، واعراب لحقت ، حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها . فكتب اليه عثمان : اما بعد ، ففضل أهل السابقة والقدمه ممن فتح الله عليه تلك البلاد ، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم ، الا ان يكونوا تثاقلوا عن الحق ، وتركوا القيام به وقام به هؤلاء واحفظ لكل منزلته ، وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق ، فان المعرفة بالناس بها يصاب العدل . فأرسل سعيدا إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية ، فقال : أنتم وجوه من وراءكم ، والوجه ينبئ عن الجسد ، فابلغونا حاجه ذي الحاجة وخله ذي الخله وادخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف ، وخلص بالقراء والمتسمتين في سمره ، فكأنما كانت الكوفة يبسا شملته نار ، فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم ، وفشت القاله والإذاعة فكتب سعيد إلى عثمان بذلك ، فنادى منادى عثمان : الصلاة جامعه ! فاجتمعوا ، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد ، وبالذي كتب به اليه فيهم ، وبالذي جاءه من القاله والإذاعة ، فقالوا : أصبت فلا تسعفهم في ذلك ، ولا تطعمهم فيما ليسوا له باهل ، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها باهل لم يحتملها وأفسدها